السبت، 26 مايو 2012

النظام والشعب


النظام والشعب

(زوجــــــان نموذجيــــان)

 قصة: نبيل عودة



 يتميز أستاذ الفلسفة بهدوء غير عادي، يظنه المرء غارقا في هموم الدنيا. هذا كان انطباعنا الأول

 عنه. ولكن بعد دقائق من بداية المحاضرة الأولى، جذبنا بروحه المرحة، وشغفه على شرح نظريات

 مواضيعنا المعقدة، بقصص طريفة أحيانا، ويحثنا أن نحاول تصنيف  الطرف التي نسمعها من

الناس  حسب موضوعها الفلسفي.


ومن أقواله التي يرددها، أن الطرف هي حكمة حياة، فكروا بما تخفيه وليس بما تظهره. بالدافع لصياغتها، وليس بشكل وصولها إلينا.

وكان يفاجئنا أحيانا أن طرفنا التي تفجر الخواصر من الضحك، يستمع إليها بانتباه شديد، ولا ننجح بزحزحة ابتسامته ، بل نراه يغرق في التفكير، وبعد برهة تتسع ابتسامته، ويعبر عن إعجابه بالطرفة أو القصة، ويبدأ بتأويلها حسب موضوعها الفلسفي.

سألته مرة متجرئا، إلا يقود ذلك إلى جعل الفلسفة، هذا الموضوع الفكري الراقي، نوعا من الإسفاف، يهبط بقيمتها العقلية، بين سائر المواضيع، إذا بالغنا برواية الطُرف وتأويلها الفلسفي؟

أجابني بجدية مطلقة:" إن بناء الطرفة للوصول إلى هدف معين، يشبه بناء مفهوم فلسفي لتفسير وضع معين، وهذا يعني أن الطرفة والمفهوم الفلسفي متشابهان بالدوافع. حتى الطرف التي تبدو سخيفة، لها دوافع.. لذلك ما تسميه الفلسفة "رؤى وتبصر"، يظنه راوي الطرف "فن الإضحاك". إن الطرفة هي فن تخطيط الحدث، والقادرين على هذا الفعل، يملكون رؤية واسعة وفهما عميقا للإنسان والمجتمع والحياة.  لا عيب أن نتعلم منهم، أن نستعمل طرفهم لتفسير مفاهيم فلسفية عديدة. ولكن إياك وان تظن أن الفلسفة وجدت لتضحك الناس. بل وجدت لتنشط العقل، وتعمق الوعي، وتزيد المعارف وتخلق الجديد."

وأضاف بعد فترة توقف: ما رأيكم أن نفسر الثورات في العالم العربي، بقصة مناسبة؟ هل تظنون أن هذا مستحيل؟

فكروا بالموضوع ، اكتبوا ونلتقي في الدرس القادم.

ضاع يوم العطلة وأنا احك دماغي بلا فائدة، كنت أقول لنفسي الموضوع سهل، النظام العربي فاسد ولم يعد يستطيع الحكم، والشعب اجتاز خوفه ولم يعد يقبل باستمرار النظام. إذن القصة هي علاقة بين نظام حكم وشعب. أصل إلى هنا ولا اعرف كيف أواصل، كيف اركب حكاية أو أتذكر حكاية يمكن أن تشبه ما جري في تونس ومصر وليبيا واليمن وما يجري اليوم في سوريا... حتى جدتي قلقت من قلقي، وسمعتها تقول لوالدي أن ينتبه لي، لأن حالتي لا تعجبها. سألني والدي: "ما حكايتك؟" بعد تردد شرحت له الوظيفة التي كلفني بها أستاذ الفلسفة. ضحك وقال: "بسيطة"، والتفت إلى جدتي ضاحكا: "انه يريد سماع حكاية عبد الباري وزوجته."

من هو عبد الباري هذا؟ كنت مرهقا من الوظيفة وبت على يقين ان فشلي لا مفر منه.ولكن ما روته جدتي أيقظني.. وطلبت منها ان تروي حكايتها مرة اخرى.

استمعت للحكاية مسجلا رؤوس أقلام، اعتراني النشاط والتوتر. في تلك الليلة غادرني النوم تماما، سهرت حتى الصباح وأنا اكتب وأعيد الكتابة، أمزق واكتب من جديد، وكانت هذه الحكاية عن "النظام والشعب" .. عبد الباري وزوجته ، الزوجان النموذجيان في عالم العرب الذي حان موعد دفنه!!

************

عبد الباري تجاوز التسعين عاماً، وأضحت سيرته نموذجاً للبيت السعيد. تزوج في العشرين من عمره، وها قد مضى على زواجه سبعة عقود كاملة، دون أن يسمع إنس أو جن عن مشكلة بينه وبين زوجته حتى اشتهرت زوجته بالبلد والبلدات المجاورة بصفة "الزوجة الفاضلة الصموتة"، التي يضرب بها المثل ، وتقدم سيرتها وسيرة زوجها كنموذج للبيت السعيد للذين مقدمين على الزواج، وللأزواج المليئة حياتهم بالخلافات والمشاكل كي يحتذوا بهما ، وخاصة يجري التشديد على الزوجات اللواتي يُتهمن دائما بخلق المشاكل، من طول ألسنتهن أو قلة إيمانهن كما يقول شيخ البلد الجليل ، حتى بدون سماع رواياتهن ،والبعض يقول إن "المرأة يزداد وزنها عشرة كيلوغرامات كاملة بعد كل طوشة" ، والقانون غير المكتوب في بلدنا ، أن  الزوج دائما هو العاقل وهو صاحب القول الفصل وكأنه رئيس جمهورية عربية.. رواية الزوج مقررة في بلدنا، حتى لو كان مخبولا ولا يعرف تركيب جملتين مفيدتين. وها هي زوجة عبد الباري نموذجا لكن يا نساء البلد، عرفت قدرها ولم تتجاوز حدودها... فاحترمها زوجها وأجلها وكأنها كنز ذهب وجواهر !!

ويقول الشيخ في كل محضر:" زوجة عبد الباري تعرف واجب بيتها واحتياجات زوجها، لا تكثر من الكلام والمماحكة والنق على رأس زلمتها، ولا يهمها إلا سعادة بعلها وبيتها، هذا هو نموذج المرأة الصالحة كاملة العقل والدين".

 لم تكن تعرف البلد الشيء الكثير عن عبد الباري وزوجته، ونصف ما يقال عنهما لا طريقة لإثباته، ولكنه حقا لا يستحق الإثبات لأنه خلو من أشياء مثيرة تشد السامعين. مثلا كلُ ما يعرف عن تلك الزوجة الصالحة ان من عادتها إذا تجادلت مع شخص ويغضبها أن تقول بكل هدوء:

-        أقول لك للمرة الأولى... كذا وكيت.

وعدا ذلك لا يعرف عنها سلاطة اللسان أو المشاكسة أو الصراخ أو التدخل بشؤون نساء البلد ومشاكل بيوتها.

حقا كانت تلك جملتها المشهورة، والتي قليلا ما تسمع ، بسبب حياة العزلة التي تعيشها هي وزوجها بوفاق وحب لا يتعثر، ولكن المعلومات القليلة الواردة من عزلة هذا البيت السعيد، تقول أن لفظها لتلك الجملة ، يجعل زوجها عبد الباري يقفز فورا بتوتر ظاهر ، كأن لغم انفجر به، مسارعا ليسد الطريق على أي خلاف، بين زوجته ومن أسمعته تلك الجملة، مؤكداً أن زوجته على حق كامل، لا تتصرف إلا بالحق وأن زوجته امرأة ولا كل النساء، وأن قلبه يؤلمه إذا اضطرت لإعادة جملتها المشهورة بصيغة:

" أقول للمرة الثانية" مثلا، فهي زوجة لا تعرف اللف والدوران، واستقامتها، كما يقول عبد الباري تفوق الوصف، والذي لا يرضى بكلامه، "الله وعلي معه.. ليبتعد عن بيتنا".

 ترى أي نوع من النساء هي؟ وهل حقا خلق الله امرأة كاملة العقل والدين كما يقول عبد الباري، مستغلا كلام الشيخ في الإشادة بزوجته ؟ ولماذا لم يخلق الله غيرها بهذه الصفات التي تشبه الحلم لكل رجل ؟

عبد الباري من شدة حبه لزوجته وغيرته على صوتها، لا يريد أن يسمع أصدق النساء تعيد قولها مرة ثانية، ويقول لمن حوله "الويل لنا من المرة الثانية، هذه الزوجة يجب أن تكون كلمتها نافذة من أول مرة".. وكان يشدد عبد الباري على قوله بطريقة تبدو غريبة بعض الشيء، خاصة حين تكون زوجته على خطأ مبين لا تبرير منطقي له... ولا يتردد بقطع العلاقة مع أقرب الناس صونا لكرامة زوجته وكلمتها حتى لو كانت على خطأ، لدرجة أن البعض سخر من "الحب الذي يجعل الرجل مركوبا من زوجته مثل الحمار".. ولكن تأنيب الشيخ للمتطاولين، أخرس الألسن.

عبد الباري وزوجته يسكنان على أطراف البلد، فوق تله تشرف على بضع قراريط من الأرض، يشتغل عبد الباري من الفجر حتى غياب الشمس في رعاية شؤون مزرعته الصغيرة.. يحرثها يزرعها ويربي فيها الدجاج وبعض الخراف البلدية، ورأسين بقر... ويكاد لا يخرج من مملكته، إلا للسوق أيام الاثنين ليبيع بعض ما رزقه الله به ويشتري ما يلزم بيته، ولم تكن زوجته ترافقه ، بل تكاد لا تغادر البيت والأرض، وفيما عدا ذلك،  يبقى ملتصقاً بزوجته وأولاده، ولا ينتفض بشكل غريب إلا إذا قالت زوجته الفاضلة لأحد زوار المزرعة الصغيرة، أو حتى لقريب يزورهما واختلفا على موضوع، أو لابن عصى أمرها..

-        أقول لك للمرة الأولى..

هذا الأمر لاحظه كل من كان بصلة قرابة أو بهدف تجاري مع عبد الباري وزوجته، ولكن  أقاويل غير مؤكدة تشكك أن في الأمر سراً لا تفسير له، وشيخ البلد يقول "اتركوا الناس في همومهم، هذا بيت صالح، لا تتحرشوا في أسرار البيوت ، ولا تفسدوا ما بين الصالحين". ولكن البلد، المليئة بالمشاكل بين المتزوجين، والأقارب والأصحاب، حيرها أمر عظيم: كيف يمكن لزوجان مضى على زواجهما ثلاثة أرباع القرن، لم يسمع أحد عن خلاف أو مشكلة بينهما؟؟ هل هم ملائكة؟؟

 لم يتجرأ أحد أن يفاتح بالموضوع عبد الباري، الذي كان ينتفض غضباً للتدخل في شؤونه الخاصة، ويسارع بالابتعاد عن السائل والسائلين، وكأنهم مصابون بالطاعون القاتل. والحق يقال إن سيرته حسنة، يبتعد عن المشاكل، ويعيش بشبه انعزال منذ تزوج.

ولكن المقدر قد وقع ، وانتقلت الزوجة إلى رحمة ربها نظيفة من كل ذنب، رغم أنها كانت تبدو بنت معيشة وزوجها الذي يدب على عصاتين قريب من حافة قبره: "إن لله في قراراته شؤون لا تخص العباد" صدر حكم الشيخ لمنع التساؤلات.

 في أيام العزاء لاحظت البلد أن عبد الباري العجوز الذي قارب التسعين استعاد صحته، وظهرت الحيوية على وجهه، بل صار يضحك، ويغمز على زوجته، ويتحدث بطريقة لم يعهدوها به، فهل هي صدمة الفراق أفقدته عقله أم الشيخوخة هبت رياحها دفعة واحدة فأفقدته وعيه ؟  بل ويتندر أهل البلد انه صار يلبي دعوات الزيارة، ويدعو الناس لزيارته، ولا يبخل بمد الموائد التي لم يشاهدها أحد سابقاً أيام زوجته، ويبدو أن أولاده أكثر حرية وسعادة، أمر غريب يلفت الانتباه. أين اختفى الحزن على فراق أفضل الزوجات وأكثرهن إخلاصا لزوجها وبيتها؟

في فجر أحد الأيام أنتشر خبر يقول أن عبد الباري أصيب بتوعك صحي صعب، ويبدو أنه يودع هذه الحياة. سارع الشيخ لزيارته، وفي ذهنه أن يفهم سر هذا التغيير، وكيف صمد على وفاق مع أم الأولاد سبعة عقود كاملة، حتى صار يضرب ببيته المثل، عن البيت السعيد، والزوجان النموذجيان اللذان لم يخلف بينهما شيء على الإطلاق."هكذا يكون النظام" قرر شيخ البلد.

 كان عبد الباري يتنفس بصعوبة، وأولاده وأحفاده حوله، وبعد أن ألقى الشيخ التحية وقرأ الفاتحة فوق رأسه وتمنى له حسن الختام، سأله:

-        البلد كلها تريد أن تعرف كيف يمكن بناء علاقات زوجية لفترة سبعة عقود بدون خلاف بل بوفاق كامل لا نعرف له حالة في عالمنا الا بين المواطنين العرب وانظمتهم ؟! أعطنا ما نصلح به بيوت العباد المتنازعين والمتقاتلين حتى على كلمة.

 بعد أن تنهد عبد الباري بعمق، محاولاً أن يأخذ نفساً طويلاً يعينه على حديثه، إلا أنه ظل يلهث، ومن بين لهثه وأخرى وبتقطع في السرد، شرح سر هذا البيت الذي يضرب المثل بسعادته ووفاقه، قال:

-        يا شيخنا الجليل، المسألة بسيطة، عندما تزوجنا لم تكن سيارات، عدنا بعربة يجرها حمار إلى بيتنا، والطريق وعرة كما تعلم وكلها صعود مرهق، مما أرهق الحمار، فوقع أرضاً، وعبثاً حاولت أن أنهره ليواصل، وزوجتي لم تصبر، نزلت من العربة، وأمسكت الحمار من أذنيه ، نظرت في عينيه وقالت له :"أقول لك للمرة الأولى، قم وتحرك" وما هي إلا لحظات، حتى قام أبو صابر وواصل جرنا بالعربة نحو البيت، بعد مسافة ما كبع الحمار مرة أخرى، ففتحت فمي لأنهره، فأسكتتني بيدها، نزلت وأمسكت الحمار من أذنيه ونظرت في عينيه وقالت له: " أقول لك للمرة الثانية قم وتحرك"، وكما بالمرة الأولى، أنتفض أبو صابر وعاد يجرنا بتثاقل واضح وإرهاق كبير نحو البيت، ولكن وعورة الطريق أسقطته أرضاً مرة أخرى، وكالمرة الأولى والثانية، نزلت عروستي وأمسكته من أذنيه ونظرت في عينيه وقالت له: " أقول لك للمرة الثالثة ولن تكون مرة رابعة، قم وتحرك" مضت لحظات والحمار المسكين غير قادر على الحركة، فإذا هي تخرج مسدساً من حقيبة ملابسها، وبلا مقدمات أطلقت رصاصة على رأس الحمار، ومن يومها لم أضطرها لتقول لأحد ما، أقول لك للمرة الثانية ، المرة الأولى تكفي!!



nabiloudeh@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق