الجمعة، 17 فبراير 2012

الدكتورة وفاء سلطان تحاور الكاتب نبيل عودة


الدكتورة وفاء سلطان تحاور الكاتب نبيل عودة

قرأت مرّة قصة وأعجبت بمغزاها واسلوبها السهل فأرسلت إلى الكاتب، الذي لم أسمع باسمه من قبل، رسالة شكر أتمنى فيها أن أقرأ له باستمرار.
تفاجئت عندما جاءني الرد من السيد الكاتب الفلسطيني نبيل عودة يخبرني أنه هو الذي كتب القصة ونشرها باسم مستعار، ثمّ شرح لي السبب وراء ذلك.
تبادلت ونبيل بعض الرسائل، وأحسست من خلالها أنه بركان على وشك الإنفجار! أحسست به مظلوما ومقهورا وغير قادر على التعبير عن ظلمه وقهره لأسباب الكل يعرفها.
اقترحت عليه أن أغوص في حياته وقبل الإقتراح برحابة صدر.
لم تكن رحلتي سهلة، ولم يكن هو الآخر سهلا. كان متحفظا إلى حد يثير الإحباط، لكنني احترمت تحفظه وتجاهل (مشكورا) إحباطي....
احترمت تحفظه لأنني أحترم الحياة كقيمة، ولا أقبل إطلاقا أن أعرض حياة انسان لخطر، علما بأنني وضعت حياتي في كف عفريت يرقص فوق برميل من البارود!
 نبيل عودة رجل رصين، أكسبته الحياة حكمة معلم هندوسي مستنير!
أحببت فيه الرجل المخلص لموقفه، والصديق المخلص لأصدقائه، والزوج المخلص لزوجته، والأب المخلص لأبنائه، أحببت فيه الإنسان الذي يسعى لسعادة الإنسان أيا وأينما كان.
تعالوا نبحر معا في عالم نبيل، وأرجوكم أن لا تشعروا بالإحباط حيال تحفظه وأن تتحفظوا حيال إحباطي....
باسمكم جميعا أشكر السيد نبيل عودة الذي سمح لنا أن نشاطره فنجان قهوته الصباحي....
* هل بإمكان السيد نبيل عودة أن يعطينا فكرة عن العشر سنوات الأولى من عمره؟
ولدت قبل نكبة شعبي الفلسطيني بعام (25-02-1947) في بيت ميسور نسبيا في مدينة الناصرة. كان والدي يملك محلا للنجارة قد ورثه عن والده.
كان بيتنا بيتا للعلم والمعرفة وكان معظم أفراد عائلتي يتكلمون لغات أجنبية كالإنكليزية والروسية، ولكن بسبب ظروف اجتماعية قاهرة هاجر معظمهم إلى القارتين الأمريكيتين، وبقي البعض الآخر ملتصقا بالوطن لإعتبارت وطنية محضة رغم الظروف الصعبة التي حدثت بعد النكبة.
كان والدي من أوائل المنتسبين لعصبة التحرر الوطني الفلسطيني ( الحزب الشيوعي العربي في فلسطين ) وقد نشأت في أجواء  ثقافية غلبت عليها أفكار الحزب الشيوعي، وكانت تلك الأفكار بمثابة غذاء روحي وأساسي لي في بداياتي. في بيتنا كان يلتقي العديد من القيادات وخاصة في ساعات الشدة لعقد اجتماعات ولمناقشة معارك إنتخابات وغيرها من القضايا الملحة.
ساهم هذا الأمر في إرساء الطابع الفكري لدي، إلى جانب إنني كنت أحب القراءة وبرزت فيها منذ الصف الأول، أول ما قرأت كان جريدة "الإتحاد" وهي جريدة الحزب الشيوعي آنذاك والتي لعبت دورا تاريخيا سياسيا وتثقيفيا هاما في بناء الشخصية القومية للأقلية العربية التي بقيت في وطنها، وكسرت تلك الجريدة سياسة التجهيل والإنغلاق الثقافي والقمع التي مارسه الدولة اليهودية وأذرعهاوالقمعية  الأمنية العديدة،  خلال العقدين الأولين بعد 1948.
كانت المناهج التعليم العربية تحت إشراف الحكم العسكري الإسرائيلي وكانت مملة وتافهة ولا متعة للطالب في قراءتها، وصحيفة الاتحاد عمليا ،حافظت بشكل أو بآخر على إلمامي باللغة العربية رغم أن دراستي الثانوية كانت بالعبرية.
كانت المطبوعات يومها تحت رقابة عسكرية وكنا محرومين من الكتب العربية. إلى جانب جريدة الإتحاد، التي ذكرتها سابقا، كانت هناك مجلة "الجديد" التي لعبت دورا تثقيفيا بالنسبة للمثقفين الفلسطينيين الأوائل، وقد رأس الشاعر محمود درويش تحريرها في نهاية الستينات من القرن الماضي.
في بداية شبابي المبكر انضممت لمنظمة الأشبال الشيوعية، وهناك لعبت المواد التثقيفية المتوفرة من خلال تلك المنظمة دورا في تشكيل وعيي المبكر، وأثرت لاحقا في قراراتي وخياراتي التي تعلقت بتحصيلي العلمي والإبداعي.
في اواسط الستينات ، خاصة بعد اسقاط نظام الحكم العسكري عن الأقلية العربية ، حدثت حركة نشر جديدة وجيدة  قامت بإعادة طباعة مؤلفات كتاب عرب ، ولم يفوتني كتاب إلا واشتريته يومها من مصروفي الخاص.
في شبابي المبكر  حدث ما أبعدني كليا عن الفكر الديني. كنت اتعلم في مدرسة تبشيرية  في الناصرة، حاول معلم الدين أن يقنعنا بأن لا نتغيب عن المدرسة بمناسبة اول أيار وطعن بطريقة، لم أعد أذكرها بالشيوعيين وقال لنا بأنهم لا يؤمنون وبأن المسيح سيعاقبهم، فوقفت أدافع عنهم ضمن حدود إدراكي وأصرُ على أن المسيح لن يعاقبهم وهم مخلصون وطاهرون، ويبدو أنني استخدمت ألفاظا غير مقبولة من قبل معلم الدين فأدى الأمر إلى فصلي من المدرسة، فانتقلت إلى مدرسة حكومية.
لقد أحدث ذلك انقلابا كبيرا في حياتي الفكرية وأنا أنتقل من العقد الأولى من حياتي إلى العقد الثاني.
لقد نمى الدين في نفسي الخوف من المجهول، واكتشفت فيما بعد أنني كنت مخدوعا. بالطبع حدث ذلك في إطار الأحاسيس غير الواعية لذلك الشبل . من وقتها رفضت حضور دروس الدين المسيحي، وكان المامي جيدا بكل قصص الانجيل ، وأثبتت للمعلم في مدرستي الجديدة التي انتقلت اليها ( مدرسة حكومية) أن معارفي الدينية تتجاوز البدائيات التي يدرسونها في المدرسة الحكومية .
لم تكن حياتي في الطفولة سهلة، إذ مازلت أذكر كيف كنا نقف أمام مكاتب التصاريح (حسب نظام الحكم العسكري ، وهي نفسها قوانين الانتداب البريطانية ، وتواصل اسرائيل استعمالها حتى اليوم، خاصة ضد الفلسطينيين في المناطق المحتلة، وحسب هذه القوانين تعتقل اسرائيل أي شخص بدون محاكمة ولفترات طويلة قد تستمر عشرات السنين . أي سجن حتى الممات بدون محاكمة ، وواجهت انا والكثيرين من المثقفين والمناضلين العرب هذه القوانين التي حددت تنقلنا، أي سجن داخل بلداتنا او النفي ، او اثبات الوجود اليومي في مراكز الشرطة وعدم مغادرة المنزل بعد غياب الشمس) لنحصل على اذن ليوم واحد بالسفر إلى شاطئ البحر في حيفا مثلا أو بحيرة طبريا، وكان ينتابني خوف شديد أن لا نحصل على ذلك التصريح.
ما زلت أذكر أيضا كيف كان العمال العرب يقفون في طوابير طويلة ليحصلوا على تصاريح تسمح لهم بالخروج من الناصرة بحثا عن لقمة خبز لعوائلهم. وهذا ساد في سائر البلدات العربية. والمغضوب عليهم عانوا من البطالة والفاقة الشديدة هم وابناء عائلاتهم.
والدي كان رجلا مستقيما ولقد ورثت عنه استقامته التي سببت لي الكثير من المشاكل في عالم يعتبر المستقيمين ضعاف الشخصية، مما أجبرني لاحقا على أن أكون شرسا في الدفاع عن أفكاري ومواقفي..
أمي كانت ابنة خوري طائفتها في الناصرة، وهي تتكلم الإنكليزية وساعدتني على تعلم القراءة بالعربية خاصة ونمت لدي حب المطالعة.
........................
  • بالإعتماد على ماذكرته سابقا، هل بإمكاني أن أقول بأن التربية الدينية لك لم تلعب دورا في تشكيل نسيجك الفكري على الإطلاق؟
  • لقد أثرت التربية الدينية على نشأتي وعلى ثقافتي ولعبت دورا في اتساع عالمي الثقافي بالتأكيد.ولعبت التعاليم المسيحية دورا تمحورت حوله حياتي منذ صغري، وتميزت تلك التعاليم أساسا بالأخلاقيات وتكريس المحبة ومساعدة المحتاجين والتسامح. لقد تعلمنا تلك القيم من خلال دراساتنا لحياة المسيح ونضاله المرير ضد تجار الدين وضد فكر الإنتقام التوراتي، فقد نقد بشدة مقولة "السن بالسن والعين بالعين"، وهاجم الوثنية المتمثلة بتقديس السبت وذلك من خلاله قوله الشهير "السبت لخدمة الإنسان وليس الإنسان لخدمة السبت". واليوم افهم هذه المقولة بمعنى حضاري المجتمع ( النظام) في خدمة الانسان وليس الآنسان في خدمة النظام.
هذا من جهة ومن جهة أخرى، لا أستطيع أن أنكر بأن الثقافة الإسلامية قد لعبت هي الأخرى دورا في ثقافتي وتحصيلي المعرفي.
إن ظاهرة "الصحوة الدينية " هي غفوة وطنية وتفكك اجتماعي وانهيار للكثير من قيم المجتمع المدني.
ويبقى السؤال هل اكتسابنا للهوية الدينية كهوية اساسية ساهم في تقدمنا الاجتماعي والعلمي والحضاري أم أعادنا قرونا الى الخلف ؟!
لا اقول ذلك من منطلق رفضي للهوية الدينية ولكن شتان بين هوية دينية متسامحة لا ترفض المختلف وتعطي لكل انسان حقه في اقرار ما يؤمن به وما يرفضه وبين هوية دينية ترفض هوية الآخر الدينية.
 وأذكر حادثة وقعت بيني وبين مدير مدرسة ابتدائية  في تلك السنوات التي نتحدث عنها والتي خيّم  الرعب فيها على جهاز التعليم العربي بسبب تسلط الحكم العسكري وطرد المعلمين الشرفاء.. جعلتني لا اتردد في طرح الحقيقة باي ثمن (على الأقل حقيقتي بكل نسبيتها)

طلب معلم اللغة العربية ان نكتب موضوعيا إنشائيا بمناسبة "ذكرى 10 سنوات على  استقلال اسرائيل" وكيف أثر ذلك على "تقدم العرب" في الدولة ، وانه سيختار أفضل انشاء للقراءة  أثناء احتفال المدرسة بعيد الاستقلال. فكتبت موضوعي وملأته بالحقائق عن مصادرة الأراضي العربية وسلخ  الهوية وتشريد شعبنا وهدم القرى العربية وتنفيذ عمليات تصفية جسدية في الكثير من البلدات العربية، بالطبع رجعت في مصادري إلى أدبيات الحزب الشيوعي  وذاكرة والدي ووالدتي، وقلمي المتمرس في الكتابة أضفى على الموضوع قوة تفجيرية.
دخل المعلم الصف وصرخ بوجهي بدون شرح وبدون مقدمات: "نبيل اذهب إلى المدير "، ولم أفهم دواعي ذلك وخصوصا واني كنت طالبا مجتهدا ولا اشاغب . كانت للمدير شخصية ستالينية فصرخ بوجهي عندما رآني بقوة، وفهمت بعد وجبة الصراخ ان موضوع الانشاء هو السبب .
شعرت بالرعب وهو يذكر تفاصيل ما ساواجهه من عقاب، وبأن المدرسة لا تقبل طلابا من نوعي، ثمّ طردني لأعود مع والدي .
وصلت منجرة والدي والخوف يأكلني وبصعوبة شرحت له الموضوع. لم أكن أتوقع ردة فعله الأولى، لقد شتم المدير وجهاز الدولة الذي يريد تجهيلنا، فانتعشت، وفورا توجه للمدرسة وانا برفقته وهو غاضب من تصرف المدير.
بدأ المدير يتحدث عن الخطر الذي سأواجهه في المستقبل نتيجة "للأفكار الهدامة" التي أحملها، وما ساواجهه من مشاكل مع الدولة بسبب "الكلام الفاضي" الذي يملأ رأسي.
واجه والدي الأمر بكلمات بسيطة قائلا: "ما كتبه نبيل هو الحقيقة، وطز في مستقبله إذا كنتم تعلمونه تزوير الحقائق"، عندها صرخ المدير في وجهي بضيق ظاهر: "نبيل عد إلى الصف"!

* من خلال الأسئلة والأجوبة شعرت بأنك تتجنب الغوص في موضوع الدين، أحترم حقك في ذلك، وسؤالي: هل مشاعري في محلها؟!!
أجل هذا صحيح، أتجنب الخوض في هذا الموضوع ليس لجهلي به، وإنما نتيجة الواقع الذي لا يستوعب الرأي الآخر ويرى في أي رأي إهانة لعقائده، ولا يقبل السعي من أجل تطوير الرؤية وتخليصها من الشوائب . الذي كان جائزا الخوض به قبل عقدين من السنين يعتبر اليوم منطقة محظورة ومزروعة بالألغام . وبما أنني لا أملك وسائل لتفكيك تلك الألغام لذلك أتجنب مناطقها... وأوكل بها زملائي ذوي الأسماء المستعارة.
..................
·       لقد فهمت من كلامك بأن الثقافة الشيوعية قد تقلصت ولم يعد هناك اهتمام من قبل جيل الشباب الحالي بها، ألا يوجد منظمة شيوعية في المنطقة التي تعيش فيها؟
·       لا شيء مقدس في الفكر. الذين جعلوا من الشيوعية دينا ونصوصا مقدسة ارتكبوا بذلك جريمة بحق ماركس ونظرياته الفلسفية والاقتصادية والتاريخية .
تأثرت بالماركسية ورأيت فيها في شبابي المبكر طريقا للخلاص السياسي والاجتماعي. كما وإن انفتاحي على الفكر الفلسفي المختلف ، وخاصة بعد قراءتي لكتاب "المجتمع المنفتح وأعدائه" لكارل بوبر ومداخلات انطونيو غرامشي ومفكرين شيوعيين غربيين ، ساهم في تغيير الكثير من مفاهيمي . لم أعترف بقدسية الفكر الشيوعي منذ بداياتي، وهذا ما منحني الكثير من الحرية في تطوير شخصيتي الفكرية بشكل عقلاني مستقل، استفدت من خلاله من مختلف الطروحات والاجتهادات .
لقد ارتكب ماركس نفسه خطأ لأنه لم يلاحظ ان البروليتاريا كانت ظاهرة اوروبية بشكل مطلق ، ترتبط بحقائق اجتماعية وقانونية معينة تتعلق باوروبا ، ولم تتطور في الولايات المتحدة مثلا ، وأين هي في بلاد الرمال العربية التي لم تتطور رأسماليا واقتصاديا حتى اليوم.
كيف يمكننا أن نفهم أن هناك ماركسيين لينينيين، علمانيين، تحت فكر ملالي ايران في لبنان وغير لبنان؟!! هل العداء لإسرائيل هو المبرر الوحيد؟! وماذا بعد اسرائيل؟ ما هو الفكر الاجتماعي للملالي ؟ ما هو موقفهم من المرأة ؟ ما هو مفهومهم لحرية الإختلاف في الرأي، ماهو مفهومهم للعلمانية والعلمية في المجتمع؟!!
وكيف يمكن تبرير سياسة المليشيات الحزبية المسلحة التي تفرض قانونها على الدولة والمجتمع؟!!
أقدّم نفسي اليوم كوطني ديمقراطي ليبرالي ، ورغم أن الماركسية شكلت بالنسبة لي مدخلا لفهم الحياة وللتعمق في الفلسفة، لا أستطيع ان أعتبر نفسي ماركسيا اليوم. لقد تأثرت بالكثير من طروحاتها خاصة فيما يتعلق بقضية الحرية والمساوة والعدالة الاجتماعية، وهو ما لم تطبقة الماركسية حيث وصلت للسلطة، ولكني ابتعدت عن مفهومها الفكري الطبقي المبني على الصراع التناحري بين الطبقات، وابتعدت أكثر عن مفاهيم الحتمية التاريخية ونظرية البروليتاريا، وما زلت أرى بالديالكتيك الماركسي ونظرية المعرفة الماركسية، جوهر انجازات ماركس .
..................
* هل تعتبر فشل الشيوعية في تربية أجيال تفكر بحرية بعيدا عن التلقين الإجتراري قد ساهم في فشل المشروع الشيوعي عالميا ومحليا؟
سؤلت مرة: لماذا تركت الفكر الشيوعي رغم إيمانك الكبير بمنجزات الحركة الشيوعية؟ فأجبت بشكل عفوي وفوري: من الصعب أن لا يسحر الفكر الشيوعي المثقف في شبابه المبكر، ففي تلك السن اليافع يكون الإنسان ثوريا يحلم بتغيير مجتمعه نحو الأفضل والقضاء على كل أنواع الإستغلال واحترام حقوق المرأة والحث على روح الإبداع. ولكن عندما يبلغ ذلك الشاب سن الأربعين ينظر وراءه فلا يرى شيئا مما حلم به قد تحقق، ويكتشف بأن الفكر الشيوعي لم يختلف كثيرا عن الفكر الديني في وعوده وفشله في تحقيق تلك الوعود. وان هناك قطيعة بين الشعار والتطبيق ...
انتقدوا الستالينية وظلوا يطبقونها من خلال نهجهم. لقد انتقل نهج عبادة الشخصية إلى العالم العربي. صار كل حاكم شبه اله.
الإنسان العاقل والناضج لا يمكن أن يتبع حزبا لا يلتزم بشعاراته ولا يسعى لتحقيق وعوده.
..............
* دائما يتكلم المثقفون الماركسيون ويستخدمون تعابير مفترضين أن على الغير أن يفهم ما يقصدون، ماذا تقصد بالبروليتاريا؟ أرجوك أعط القارئ بعض التوضيح!  
عندما تأسست عصبة الشيوعيين الأولى في العالم ( 1848 ) كتب مؤسسي الفكر الماركسي كارل ماركس وزميله فريدريك انجلز بيانا للعصبة اشتهر باسم (البيان الشيوعي)، جاء في مقدمته : هناك شبح يجول في اوروبا هو شبح الشيوعية، وقد اتحدت كل اوروبا العجوز في حلف غير مقدس لملاحقته والتضييق عليه ـ
ثمّ يقولان في مكان آخر : " إنّ الذي يميز عصرنا الحاضر،عصر البرجوازية، هو انه جعل التناحر الطبقي أكثر بساطة، فالمجتمع آخذ في الانقسام الى معسكرين متعارضين ، الهوة بينهما واسعة والعداء مباشر وشديد. هذان المعسكران هما البرجوازية والبروليتاريا"
اذن حسب المفهوم الماركسي الشيوعي : المجتمع البشري مشكل من الطبقة البرجوازية الراسمالية وطبقة البروليتاريا ، أي طبقة العمال والشغيلة التي تبيع قوة عملها . ثم يختمان بيانهما بالكلمات الثورية التالية :" فلترتعش الطبقات الحاكمة أمام الثورة الشيوعية ، فليس للبروليتاريا ما تخسره فيها سوى قيودها وأغلالها ، وستربح عندها عالما بأسره – ياعمال العالم اتحدوا "
اليوم تحتاج الصناعة الى مهندسين وتكنوقراطيين وخبراء كومبيوتر وتكنلوجيات عالية الدقة ، فهل يمكن وضع هذه الفئات ضمن مفهوم البروليتايا أو حتى الطبقة العاملة، فهل يستطيع أحد أن يتوقع بأنهم سيشكلون قوة صدامية انتحارية ضد البرجوازية؟!!
 لنعد إلى حياتك الشخصية من أنت ببضع كلمات؟
ـ مجموعة من التناقضات والصراعات التي لا تنتهي، متزن في تفكيري وحاد في قلمي.
* كيف تستطيع أن تجمع بين تلك المتناقضات وتظل متزنا؟
التناقضات لا تدل بالضرورة على أن الإنسان مشتت في تفكيره أو منقسم على ذاته، بل أعتقد بأن العكس هو الصحيح، فكلما شكل الانسان رؤية لموضوع ما عليه أن يستمر في بحثه عما ينقض تلك الرؤية ( أكثر مما يدعمها ويشعره بانه وصل لمراده )الأمر الذي يجعله في تجدد مستمر مواكبا حركة التغيير المستمرة.
لا أتمسك برأي ثابت بل أظل منفتحا لتغيير ذلك الرأي عندما يثبت الواقع ما ينفيه ، وهذا ما كتبته في مقدمة كتاب لي  "بين نقد الفكر وفكر النقد".
عندما يستطيع الإنسان أن يجدد رأيه وموقفه من الحياة يثبت بأنه يتميز بالمرونة اللازمة من أجل حياة متطورة.
ويجب فهم هذا القول بناء على معناه الفلسفي وليس اللغوي. عندما يتطور الإنسان من خلال تجاربه يواجه تناقضات كثيرة بين القديم والجديد...بين الثابت والمتغير، ولا يوجد جانب بدون الآخر إلا في الفكر الديني الذي يؤمن بـ "الحقائق المطلقة".
إن صراع المتناقضات هو في جذور التطور على الصعيد الشخصي والإجتماعي والإنساني العام. كذلك فالعلوم لا تتطور إلا عبر نقدها ونقضها، وكما يقول هيغل: "اللقاء بين علمين يولد علما جديدا".
...............
* يقال أن الرجل يشعر بتقدمه في السن عندما ينظر في المرآة ويرى والده، هل بدأت ترى السيد والدك عندما تنظر في المرآة، أم إن العمر بالنسبة لك مجرد عدد سنوات؟
ـ ممارستي للنشاط الفكري بلا توقف تساعدني على أن أشعر دوما بأنني ممتلئ بالحيوية ومازلت شابا. لا أشعر إطلاقا بأنني أتقدم في السن، خاصة وإن صحتي جيدة ولا أعاني من مشاكل صحية باستثناء إصابة عمل في كتفي ورقبتي لا تسبب أية إعاقة ولا تحدد حركتي ونشاطي. لقد تعرضت لتلك الإصابة عندما كنت أعمل مديرا للإنتاج في إحدى الشركات في مجال الصناعة المعدنية والتي تقاعدت منها في عام 2000 وتفرغت للعمل الصحافي الذي كان حلمي منذ بداياتي. يتفاجئ المقربون مني عندما أقول كنت حدادا ومديرا للعمل والانتاج لأنهم يعرفونني كاتبا وصحفيا منذ بداياتي ، وذلك بسبب كوني لم اتوقف عن الكتابة الابداعية والسياسية خلال عملي  المهني .
 في عام 1973 أختلفت مع قيادة الحزب الشيوعي فقدمت استقالتي من الاحتراف الحزبي ، واتجهت إلى العمل المهني، وكنت يومها منفتح الذهن وقابلا للتطور وهذا ما ساعدني على أن أرتقي إلى مناصب إدارية بسرعة غير عادية.
..........
* لنفرض جدلا أن أحد أولادك قد اختار شريكا لم يعجبك على الإطلاق، كيف تتصرف؟!
ـ لا بد وأن تترك التربية المنزلية التي تؤمن بالحوار الحر تأثيرها على قرارات الأولاد في المستقبل.
عندما يتربى الأولاد على أن يتحملوا مسؤولية قراراتهم، سيتخذون تلك القرارات بتأن كبير.
ابنتي الكبيرة عاشت خمس سنوات في القدس أثناء دراستها لوحدها وبعيدا عن عائلتها. لم أرسل معها شرطيا كي يراقب كيف تتنفس، لقد وضعت ثقتي بها وأثبتت فيما بعد أنها أهلا لتلك الثقة. لقد اختارت شريك حياتها، بمحض ارادتها ، وهو اليوم محام ناجح جدا ، ولا أظن أنه كان بإمكانها أن تختار أفضل منه.
لم يختلف الأمر مع أولادي الآخرين فابني اختار زوجته وهي سيدة روسيّة رائعة وحاصلة على شهادة الدكتوراه في الإقتصاد الدولي، وتعاني اليوم من مشكلة التجنيس في الدولة العبرية.
..........
* مرحلة السن التي أنت فيها الآن ما يميزها نفسيا، وبناء على علم النفس، إن الإنسان فيها ينظر إلى الوراء ويقيم حياته وإنجازاته، هل تفعل ذلك وهل أنت سعيد بما أنجزته خلال تلك السنين؟
ـ يقلقني التقدم في السن، الإستمرار في العطاء الثقافي يشعرني بالراحة. أنا اشعر أنني مازلت في أوج عطائي الثقافي وقادر على الإستمرار حتى إشعار آخر. لقد أنتجت خمس وعشرين قصة ذات مدلول فلسفي في أقل من اسبوعين. ( مائة قصة خلال أقل من نصف سنة) للأسف معظم القراء تناولوا الجانب الجنسي او الفكاهي من النص، متجاهلين المغزى الإجتماعي والفلسفي. طبعا أنظر إلى الوراء وأقيم إنجازاتي، وأنا سعيد جدا بتلك الإنجازات على الصعيد المهني والثقافي.
.........
* لقد سمعت بأنك تنشر بأسماء مستعارة، هل هذا صحيح ولماذا تفعل ذلك؟
نعم أنشر بأسماء مستعارة، وأنا مضطر لفعل ذلك طالما أعيش في مجتمع تحكمه العائلية والطائفية.. مجتمع يعتبر التطرق إلى الكثير من المواضيع من المحرمات الأمر الذي قد يكلف الكاتب حياته. أنشر باسماء مستعارة عندما أخوض في بعض المواضيع المحرمة، وقد أنقذني هذا من الكثير من المشاكل. لقد لجأت إلى ذلك بعد أن تلقيت الكثير من رسائل التهديد ولم تستطع الشرطة أن تحميني.
* هل يفكر أولادك اليوم بالهجرة؟
إن واقع المسيحيين في الشرق بات مقلقا. ولا داعي للإستعراض هنا فلقد نشرت مقالات كثيرة عن ذلك الواقع.
يزداد عدد المهاجرين من المسيحيين عاما بعد عام، وهذا يدل على غياب المجتمع المدني الحضاري من المجتمعات العربية. لا أحد يستطيع أن ينكر دور المسيحيين الثقافي والحضاري في العالم العربي، فالأدباء المسيحيين هم من حمى وطوراللغة العربية وأنقذوها من "التتريك"، الى جانب الدور الكبير لأدباء المهجر ، ولاحظوا هنا أمرا غريبا ، ادباء المهجر كانوا كلهم من المسيحيين ، لقد حافظوا على لغتهم العربية من الإندثار في الغربة وأعطوا للعربية لغة حية جميلة متطورة . لقد سبق وحذر الكاتب محمد حسنين هيكل من مخطط تهجير المسيحيين من الشرق الأوسط، الأمر الذي سيؤدي إلى خسارتهم كقوة اقتصادية وثقافية تلعب دورا في تحسين المجتمع. ألا يعطينا واقع المسيحيين في مصر والعراق فكرة عن مدى الظلم الذي يلاقونه؟ والأمر هذا لا ينطبق على المسيحيين فقط وإنما على جميع الأقليات الدينية والإثنية، كالشيعة في مصر والسعودية والسنة في إيران، والصراع السني ـ الشيعي في العراق، ومشكلة الأكراد في سوريا وتركيا والعراق وايران، والأمازيغ في المغرب العربي، والبهائيين والصائبة وغيرهم.
داخل اسرائيل حدثت اعتداءات على المسيحيين، بعد أن امتدت نار الطائفية من الأقطار العربية إلى فلسطين، وبعد فقدان الأحزاب لدورها الأساسي كمنظمات تدير المجتمع المدني .
وقعت اعتداءات على مسيحي الناصرة، وفي الرامة وفي ابوسنان وكفرياسيف والمغار وأخيرا كان اعتداء في شفاعمرو، ولا أعتقد بأنه سيكون الأخير، وهذا مدمر لكل نسيجنا الوطني والإجتماعي.
............... * بعد عمر طويل، ماذا تريد أن يكتب الناس على شاهدة قبرك لو اضطروا أن يكتبوا عبارة ما؟
ـ " لا تصدقوا أني ميت "!
.........
أجمل جواب قرأته في حياتي......
* هل أفهم من كلامك بأن إنتاجك الثقافي سيبقى حيا؟
هذا ما آمل به، ولذلك أحاول أن أنقد بلا مواربة وأن أبحث عن الحقيقة بلا خوف، وأن أظل مرتبطا بالواقع الذي أعيشه والذي هو في تغير مستمر.
.............
* هل تحب الشعر العربي، ماهو أجمل بيت شعر تحفظه؟
من الطبيعي ان يشكل الشعر العربي قاعدة ثقافية لكل مثقف عربي ، اذ بدون الموروث الشعري نفتقد عنصرا أساسيا للثقافة العربية .
اليوم لكي أصف حالتنا الشعرية أعتمد على قول ماركس: "تفاهة الأعمال وعظمة الأوهام".
هناك الكثير من الشعر الكلاسيكي والحديث الذي اُطرب له، ولكنني أبدو مغرما بقصيدة للشاعر سالم جبران وأرددها دائما،تقول:
كما تحب الأم
طفلها المشوه.....
أحبها
 حبيبتي بلادي........
لم ألمس في حياتي حبا أصفى وأصدق من ذلك الحب الذي عبر عنه سالم جبران!
...............
تحدث عن رجل يهودي يعجبك وهو معروف في اسرائيل؟
ابراهام بورغ رئيس الكنيست السابق. هوانسان مستقيم ولا يتردد في نشر الغسيل الوسخ للسلطة في اسرائيل، ولا يتردد في قول الحقيقة.
في محاضرة له أمام جمهور من اليهود في مسجاف ـ الجليل، قال: تهيمن على اسرائيل العنصرية والفاشية القومية، وهذا ينفي عنها صفة الديمقراطية، وقال أيضا: لا بأس من نشر غسيلنا الوسخ فبدون ذلك لا ينظف الغسيل، وسنتعرض لحالة نتنة ورائحة كريهة، ثم تابع يقول: الطائرة المقاتلة ليست بديلا عن الإعتراف بالآخر!
وكان قد أصدر كتابا مثيرا حمل عنوان"لننتصر على هتلر"، كتبت عنه ملخصا لاقى اهتماما كبيرا، ينتقد فيه اسرائيل الصهيونية وعقليتها لدرجة ان البعض اعتبره خروجا لبورغ من الصهيونية . وهذا صحيح اذ يدعو حقا لصهيونية انسانية مقابل الصهيونية العنصرية السائدة اليوم.
هذا نموذج لشخصية يهودية ليبرالية انسانية لم تفقد حسها الانساني ورفضت التمييز ضد الأقلية العربية ، وسياسة الحرب والاحتلال.
* باعتبارك تعيش داخل اسرائيل ومعرفتك باليهود ليست ضحلة، إلى ماذا ترجع أسباب نجاحهم كشعب؟
لقد نجحوا في بناء دولة من مهاجرين ينتمون إلى ثقافات مخلتفة. والسبب ـ حسب رأي ـ هو أن الحركة الصهيونية المسيطرة في اسرائيل هي حركة اوروبية علمانية بجذورها. لجأت قبل قيام اسرائيل إلى التخطيط والعمل المنظم وأقامت دولة على أنقاض الشعب الفلسطيني. اتبعت سياسة التطويرالاقتصادي والعلمي، وتبنت الأبحاث الجامعية في مختلف المجالات.
إن بناء اقتصاد قوي وتطوير التعليم واعتماد العلوم والابحاث في شتى المجالات هي العناصر الأساسية لقيام شعب ودولة.
من الواضح ان العلمانية الأوروبية سيطرت وفرضت ثقافتها على معظم فئات المجتمع الاسرائيلي، ولو تحكم اليهود الشرقيين لكانت اسرائيل دولة عربية أخرى من حيث التخلف.
 اسرائيل اليوم تتمتع بمستوى اقتصادي راق جدا، فالتأمينات الإجتماعية والصحية للمواطنين تعتبر من أفضل التأمينات في العالم .
 تكرس اسرائيل للأبحاث العلمية ميزانية ضخمة تبلغ 4.5% على الأقل من ناتجها القومي الاجمالي ( العالم العربي يوظف نسبة لا تتجاوز 0.3 من ناتجه القومي )   وتتجاوز ميزانية الأبحاث مثيلها في العالم العربي ب : 15 مرة على الأقل.
اسرائيل تطبع من الكتب أكثر من مجموع ما يطبعه العالم العربي ،تترجم وتطبع 100 كتاب لكل مليون مواطن والعالم العربي 3 كتب فقط .
ليس سرّا أن اسرائيل قد دخلت عالم الفضاء بأقمارها الصناعية للتجسس ولبيع خدمات اتصال، هذا بالإضافة إلى أن اسرائيل دولة نووية منذ أواخر الستينات .
يعتقد بأنها تملك أكثر من 80 رأس نووي،والبعض يقول: بل 600، ربما هذا مبالغ فيه.
وبحساب بسيط نرى إن انتاج اسرائيل القومي الاجمالي يتجاوز انتاج كل الدول العربية المحيطة بها بمرة ونصف المرة، ولولا طفرة النفط لكانت اوضاع العالم العربي المالية في الحضيض.
نظام اسرائيل ديمقرطي ليبرالي مع وجود أجهزة مراقبة على السلطة لا تتردد في محاسبة حتى رئيس الدولة .
بالطبع هناك تمييز قومي ضد الأقلية العربية، فمثلا حصة العرب من ميزانية التعليم 7% رغم ان نسبة المواطنين العرب في الدولة 20 % . لقد تمت مصادرة معظم الأراضي العربية، وما تبقى بأيدي العرب لايتجاوز 3.5%   بنوا حتى الآن 600 بلدة يهودية ولم يبنوا أي بلدة عربية .
اذن سرّ نجاحهم يكمن في الاقتصاد والرقي التكنولوجي والعلمي. وواقع العرب في اسرائيل، رغم كل المساوئ، لا يقارن مع الواقع المؤلم للمواطنين في العالم العربي.
* لو اُتيح لك أن تهرب من جور "التمييز العنصري في اسرائيل" إلى أية دولة عربية أخرى، هل تفعل؟
هل جننت لأهرب من تحت الدلف إلى تحت المزراب؟
كمسيحي سأواجه اضطهادا يلغي انسانيتي، وكمثقف علماني سأواجه محاكم التفتيش التي تواصل نشاطها في القرون العربية الوسطى.
وكمواطن عربي في تلك الدول  سأعاني من الفقر والأمية وفقدان التعددية الثقافية والفكرية والدينية وغياب الضمانات الإجتماعية والصحية وفرص العمل ومستوى خدمات بلدية راقية، والويل لي إذا كتبت ولم أتغنى بمدح
الزعيم واعتباره هبة إلهية يجب ذكرها في صلواتي بصوت مرتفع حتى يسمعني كل الجواسيس الذين يبلغ عددهم جاسوسا لكل 50 مواطن.!!
ثم وأحمد الله إنني لست امرأة وإلا سيكون الوضع أسوأ بكثير.
........
* لو أتيح للمواطن السوري أو المصري أن يهرب من بلده إلى جور "التمييز العنصري في اسرائيل"، ماذا تتوقع أن يفعل؟ وما هي النسبة من المواطنين التي ستفعلها؟
التقديرات تقول انه يوجد أكثر من 20 الف مصري يعملون في اسرائيل ، ويتمسكون بحقهم في البقاء والعمل وبعضهم تزوج من عربيات من اسرائيل . لا أعتقد بأنهم مستعدون لفقدان دخلهم الذي يساوي عشرات اضعاف دخلهم في مصر، هذا إذا تمكنوا من إيجاد عمل في وطنهم.
لا مجال للمقارنة بين مستوى الحياة في اسرائيل والدول العربية، ولا بين مساحة الديمقراطية ـ رغم كل نواقصها بسبب سياسية التمييز ـ !
واضح أن التمييز يبرز في مجالات هامة كثيرة وهذا يحتاج إلى مداخلة طويلة. يظهر التمييز جليا في تخصيص الأرض وإقامة المناطق الصناعية وتوسيع مسطحات البلدات العربية وميزانيات التعليم والتطوير الإقتصادي. ولكن في الخدمات الأساسية مثل الصحة وتأمينات ضد البطالة ومستوى الدخل لا يمكن المقارنة مع العالم العربي لأن الفرق شاسع جدا، وهو أشبة بالفرق بين أية دولة اوروبية والسودان مثلا .
إن صراحتي ستثير غضب الكثيرين من المنافقين الذين لا يريدون أن يسمعوا الحقيقة المرّة، ولكنني سعيد بصراحتي!
* وأنا سعيدة بها، وأشكرك أخي نبيل على مساهمتك تلك والتي ستغني بلا شك موقعي!
http://www.dawrytv.org  موقع وفاء سلطان :








رواية "الركض" للفرنسي جان أشنوز تدفع القارئ للركض وراء التفاصيل بدهشة وانبهار


رواية "الركض" للفرنسي جان أشنوز تدفع القارئ للركض وراء التفاصيل بدهشة وانبهار

نبيل عودة

"الركض" (او "لنركض")– رواية الكاتب الفرنسي جان أشنوز تأسر القارئ بأجوائها واسلوبها وسردها الخفيف الممتع، وحقائق الواقع في أنظمة دول المجموعة الاشتراكية، او الديمقراطيات الاشتراكية، كما تجلى ذلك في تشيكوسلوفاكيا، حيث تدور احداث الرواية، وبطلها التشيكي "اميل زيتوفق" احد ابطال الجري (الركض) في العالم، بل البطل الذي لم يولد منافس له والحائز على العديد من الميداليات الذهبية في كل السباقات الطويلة... وصار اسطورة رياضية في حياته.
ليس صدفة هذا الدمج بين بطل يركض كل الوقت، وواقع يغرق في متاهات غيبية. حتى القارئ تصيبه حمى الركض مع اميل، فيسرع في قراءة صفحات الرواية صفحة وراء أخرى، مشدوها بالأحداث التي يسردها الكاتب، وقدرته على الدمج بين ما يبدو سيرة ذاتية لبطل عالمي هو الأسرع على الإطلاق الذي عرفته مباريات الركض الدولية، وبين واقع اجتماعي وسياسي لا يحترم حقوق الانسان، ويزداد خمولا وتعثرا وتراجعا في كل الحقوق الأولية لمواطن في مجتمع حديث، تحت غطاء أنظمة تدعي الثورية والاشتراكية والحرية وفرضت على مواطنيها سياسة قمعية وإرهاب اجتماعي وعمليات تطهير للحزب والدولة بحجج تعيد للذاكرة محاكم التفتيش من القرون الوسطى. مجتمع يمارس قيود ورقابة على حرية الرأي والتعددية السياسية والفكرية. نظام يعاقب المواطنين اذا عبروا عن مشاعر الألم والفاقة. كله يجري تحت ستار فكر ماركسي لا شيء من الماركسية فيه، ولا يخجل أكثر الأنظمة ديكتاتورية وقمعا في العالم.
الرواية لا تسير على النمط التقليدي، وانا ككاتب قصصي وروائي وصاحب رأي نقدي، له اطلاع واسع على النصوص الروائية العربية والأجنبية، فاجأني النص بتركيبته غير العادية، لا عقدة يمكن تعريفها في النص. هي سيرة حياة بطل رياضي، وبنفس الوقت قصة من واقع نظام مارس صنوف القمع والرقابة على التفكير.
 يبدو لي ان صيغة الركض جاءت تعبيرا عن الاندفاع الإنساني المتواصل الى خارج الواقع الذي لا بشارة فيه، ولا أمل فيه، ولا حقوق انسانية فيه، ولا حق للتفكير فيه، بل تكرير ما يقوله قادة أشباه آلهة، حسب مسطرة الأحزاب الشيوعية الدائرة في فلك الاتحاد السوفييتي في مرحلة ستالين وما بعد ستالين. أنظمة لم ترث من مفاهيم الاشتراكية والديمقراطية والحرية وحقوق الانسان ومن عبقرية ماركس وفلسفته، إلا قمع الشعب وتدجينه وتحويل المواطنين إلى أرقام بلا هوية شخصية بلا رأي شخصي، بلا أحلام شخصية، نسخة واحدة طبق الأصل لتفكير القادة اشباه الآلهة للحزب والدولة الاشتراكية. مهمة المواطنين المصادقة على اقوال الزعيم العبقرية حتى لو كانت الغباء متجسما بأبشع صوره وأكثره تفاهة.
اقول ذلك كانسان بدأ حياته شيوعيا، ودرس الفلسفة الماركسية في أهم معهد سوفييتي لتأهيل قادة شيوعيين. وكنت طالبا متميزا ما دمت أكرر ما نلقن به من تفسيرات، وعندما بدأت أفكر بطريقة مستقلة، وهو ما تؤهلنا له دراسة الفلسفة، وخاصة الفلسفة الماركسية، بدأت مرحلة التعامل معي كشيوعي متمرّد، وبدأ ابتعادي التدريجي عن التنظيم ومؤسساته.وليس عن الفكر وجذوره الانسانية.
أعترف ان هذا الجانب في الرواية شدني من أعماقي للسرد المدهش للكاتب، وهو يكشف بطريقة ذكية وسريعة وساخرة أساليب التعامل في دول النظام الاشتراكي مع بطل اكسبهم مكانة هامة في الساحة الرياضية العالمية.
مقدمة الرواية تدفع القارئ الى حالة من الدهشة، مع دخول الألمان النازيين الى تشيكوسلوفاكيا. "دخلوا وجلسوا"، لم تكن حربا ولا مقاومة، هكذا جرى احتلال موطن إميل الشاب ابن السابعة عشر الذي اضطر قبل الاحتلال إلى ترك دراسته والعمل في مصنع لمساعدة أهله. ورد فعله على الاحتلال كان ابتسامته التي تظهر أسنانه الكبيرة.
لا يمكن معالجة السرد هنا بالأسلوب الكلاسيكي. لا فكرة قصصية، لا عقدة في المفهوم الكلاسيكي للنص الروائي، لا بداية ونهاية تقليدية، بل حياة إنسان غير عادي في ظل واقع مليء بالانقلابات السياسية والعسكرية في اوروبا عشية الحرب وما بعد الحرب المنهكة والمدمرة. رواية تسرد بسرعة ركض اميل، التحولات التاريخية بعد الحرب، في دولة اسمها تشيكوسلوفاكيا، ولكنها نموذج لمجموعة دول شكلت ما يعرف بالديمقراطيات الشعبية، وافتقدت للديمقراطية وللعدالة الاجتماعية ولحرية المواطن، ولحق اختيار نظامه.
 الرواية تخلط بفنية فائقة بين السيرة الذاتية، وبين واقع تشيكوسلوفاكيا بدءا من احتلال النازيين وصولا الى تحريرها بدخول الجيش الأحمر، وتحولها الى نظام شيوعي تابع للإتحاد السوفييتي ورقابته. وصولا الى "ربيع تشيكوسلوفاكيا" في فترة الكسندر دوبتشك، الذي أغضب السوفييت فقاموا مع "حلفائهم" من الدول الاشتراكية، بعملية غزو واحتلال تشيكوسلوفاكيا من جديد لإسقاط نظام دوبتشيك المتحرر أكثر مما يسمح به الأخ الكبير في موسكو.
اميل كان لا يتوقف عن الركض. في كل الظروف وفي كل الحالات ظل يركض، ليس من أجل الميداليات فقط وليس من أجل الألقاب، انما أيضا من أجل هنائه الشخصي. وهو الذي بدأ حياته عاملا في مصنع لا يحب الرياضة، بل ويعتقد انها استهلاك لا مبرر له للأحذية. وشارك باول سباق ركض رغما عن انفه، وكان في الطليعة، ثم شارك بأمر الاحتلال النازي بسباق آخر، وكان الأول بين الراكضين.. وبعدها لم يستطع ان يتوقف عن الركض.. صار يركض بالمباريات ويفوز ويركض يوميا لهنائه الشخصي... نحن نقرأ وهو يركض، نحن نصطدم بالعقليات السائدة في وطنه وهو يركض، نحن نعيش واقع احتلال وطنه وهو يركض، نعيش تحرير وطنه من النازيين وهو يركض، نعيش تحويلها الى ديمقراطية شعبية ثم اشتراكية ديمقراطية، ولا شيء من الديمقراطية الفعلية وهو يركض. النص يركض بسهولة تشبه سرعة ركض أميل، الأحداث تركض لتلحق بسرعة اميل، اسرع راكض عرفه عالم الرياضة.
اميل،الذي رقي بفضل منجزاته الرياضية الى كولونيل في الجيش، أيد ربيع براغ، ورفضه الاحتلال السوفييتي لوطنه، وعوقب بقسوة.
لا اعتقد ان الكاتب في هذا النص الروائي، يلتزم بسيرة ذاتية فقط، بل يحول السيرة الذاتية الى شاشة يعرض عليها احداث تاريخية واجتماعية وفكرية وحزبية، بسرعة ركض اميل، وأعتقد ان الكاتب وجد بسرعة اميل كل المقومات لصياغة الخلفية التاريخية دون ان يقع باشكاليات الكتابة التقريرية والسياسية المباشرة، انما بلمحات ذكية تقول اكثر من تقارير تملأ مئات الصفحات عن العقليات التي سادت النظام الاشتراكي وعلى رأسه نظام الأخ الكبير الاتحاد السوفييتي. من هنا رؤيتي ان النص يحمل روايتين في رواية واحدة. حكاية دولة عبر سرد سيرة بطل رياضي هو الأسرع في مجاله في العالم. لعل الكاتب بذلك يطرح رؤية أكثر شمولية تحملها الرواية بين سطورها، بأن اميل هو التعبير في ركضه الدائم،عن الوصول الى التحرر الذي حقا وصلته تشيكوسلوفاكيا أخيرا، بعد سقوط الأخ الكبير في موسكو أيضا. وهو ما يشعرنا بالأسى والغضب على الذين دمروا تجربة انسانية عظيمة كان مقيضا لها ان تبني صرحا انسانيا عادلا هو حلم الانسان منذ فجر الحياة.
الكتاب مليء بلوحات كاريكاتورية عن واقع العالم الاشتراكي، يوردها الكاتب بتلقائية جميلة لا تخدش النص، ولا تبعد القارئ عن متابعة ركض اميل الذي لا يتوقف ويواصل حصد الجوائز في كل سباق يشترك به.
هكذا مثلا نقرأ في النص عن ادعاءات رياضيين بأن لأميل رئات ذات قدرات أكثر من العادية في تخزين الأكسجين وان له قلب أكثر سماكة وقطره أكبر ونبضه أبطأ.ولكن:" لجنة طبية خاصة اجتمعت في براغ من أجل فحص الموضوع، وأسقطت كل الادعاءات وقررت انها باطلة، وان اميل هو رجل عادي في كل شيء، وانه ببساطة شيوعي جيد، وهذا كل شيء".
هناك قول لستالين بأن "الشيوعيين جبلوا من طينة خاصة".. كررناها بغباء حتى الملل.
نعم. ليس صعبا في ايامنا ان نعرف الذين جبلوا من هذه الطينة!!
بعد كل فوز لإميل ببطولة عالمية في الركض يكافأ بترقية في المناصب العسكرية، ولكن بصفته أصبح ضابطا برتبة عالية، تبدأ المشاكل. اصحاب الرتب العسكرية العالية يجتمعون لحلها، ويقررون بأن:"اميل هو إنسان مميز، وأنه نتاج الاشتراكية الحقة، يجب الحفاظ عليه وعدم إرساله كثيرا للخارج حتى لا يتآكل. وسيكون من الخسارة اذا ما قرر في احد مشاويره ان ينتقل، مثل ما فعل آخرين، للجهة الأخرى، لجهة الوسخ الامبريالي والركض وراء الثروة" حسب تعبير الرواية.. وعليه عندما دعي للمشاركة في سباق 5000 متر في لوس انجلوس دعي لإجراء حديث معه.
"ايها الرفيق"، قالوا له، "اللجنة العسكرية قررت الآن انك لا تستطيع ان تشترك بأي مباراة، دون ان تحصل على اذن مسبق. حسنا قال اميل، هذا لا يغير من الوضع كثيرا. حتى اليوم دائما حصلت على اذن. اه، هذا هو بالضبط ايها الرفيق، يرد عليه اصحاب الصلاحيات، من الآن لا توجد اذون. انتهت الجلسة". واصدرت اللجنة كتابا أعلنت فيه عن: "اتخاذ قرار بعدم الاذن لاميل بالمشاركة في سباق لوس انجلوس"، وتبرره بادعاء: "ان الدعوات الكثيرة جدا لمناسبات تفتقد للأهمية، تبعد أميل من واجباته العسكرية وتحسين نتائجه الرياضية".
الرواية تصف الخوف السائد في المجتمع التشيكي، لدرجة تحول الناس الى غرباء عن بعضهم البعض. حتى غرباء عن افراد عائلاتهم، ورعبهم من الاستماع لراديو أجنبي، بسبب العقوبات الكبيرة. مما رسخ في وعي المواطنين الصمت والتعايش مع هذا الواقع، والمشاركة في مظاهرات تمجيد السلطة وعبادة شخص قائد الحزب (وقتها) جوتفولد. وخيار آخر الانضمام للحزب الذي ازداد عدد اعضائه خلال عدة أشهر بأكثر من مليون عضو جديد.. وأيضا أميل كان منهم.
هذه ملامح سريعة اخترتها بالصدفة، والكتاب مليء بمثلها، عن واقع الصحافة مثلا التي تزور اقوال اميل ايضا وتسبب له مشاكل مع دول اجنبية. حتى الحصول على اذن من صحفي أجنبي لمقابلة بطل رياضي عالمي هو الأسرع مثل اميل، يمر بتفاصيل مضحكة في دوائر السلطة التشيكية، من تعبئة طلبات عديدة والانتقال من مكتب الى مكتب، وأخيرا بعد الوصول الى اميل يجده "نائما" ولا تجري المقابلة، عمليا ممنوع اجراء اللقاء. وهناك مساعدة بيتية في بيت اميل، هي في الواقع عميلة للمخابرات التشيكية.. تبلغ المخابرات بكل ما يجري. الى جانب ان مشاركاته في المباريات خارج وطنه تجري بمشاركة حراس لا يفارقون اميل.
اميل يعاقب لتأييده ربيع براغ. يطرد من الجيش ويرسل لعمل صعب في مناجم اليورانيوم. الى هناك يرسل من يعاقب بالخروج عن فكر الحزب ومن يجري تطهير الحزب والدولة منهم اذا لم يعلقوا على المشانق.
مناجم اليورانيوم هي منطقة ملوثة بذرات وغبار اليورانيوم. ثم ينقل اميل للعمل كزبال في براغ. شهرته بين المواطنين كبيرة، كانوا يحيونه ولا يدعونه يحمل نفاياتهم بل يوصولونها بانفسهم لسيارات جمع النفايات مما أقلق السلطة فأرسلته الى بلدة صغيرة اولا، ثم الى عمل في الحفريات، وتنتهي الرواية بشكل ساخر جدا ومأساوي جدا، بدعوة اميل الى التوقيع على اعترافات ب "أخطائه في الماضي" عندما أيد القوى المعارضة للثورة والاصلاحيين البرجوازيين (أي ربيع براغ) وانه: "أخطأ بتأييده لهذا الوسخ الرجعي، وانه راض تماما عن الوضع العام الراهن. وراض عن حياته الشخصية. وانه يصادق بانه رغم الدعايات لم يعمل في حياته كجامع نفايات ولم يسق حفاره، وانه أبدا لم يطارد، وحتى لم يفصل من الجيش، وانه لا يحتاج اموال التقاعد التي يستحقها ككولونيل في الاحتياط. وعمليا يتلقى اجرة تكفيه وتزيد في اعمال الحفريات. وان هذه الوظيفة فتحت له عالم جديد ومثير".
ووقع على الوثيقة.
هل يملك حق الرفض؟
 ثم وقع على انتقاد ذاتي لنفسه كما اراد رجال النظام الإشتراكي الديمقراطي.
 لا مفر له اذا اراد الهدوء والتخلص من العقوبات والاذلال.
 وبعد فترة يسامحونه، ويوظف في براغ في مركز المعلومات الرياضية.
"حسنا" قال اميل الطيب "عامل ارشيف، كما يبدو لا استحق اكثر من ذلك".
هكذا تنتهي هذه الدراما الشخصية والفكرية المثيرة، تاركة في الصدر الما على مصير الانسان في نظام من المفترض انه جاء لرفع قيمة الانسان وتطوير معرفته، واطلاق وعيه وابداعه في جميع مرافق الحياة.
اشنوز جعل للنص وظيفة تعبيرية اوسع وأشمل من سيرة ذاتية لبطل غير عادي، ويخلق عبر سرد بسيط نبضا سريعا لسرده مثل ركض اميل. أشنوز يخلق دهشة روائية غير عادية عبر كل صفحات الكتاب رغم الأسلوب غير التقليدي للنص، الذي يقدم نمطا روائيا جديدا. ويبدوا ن اشنوز يرى بمعاناة الركض الجانب الثاني لمعاناة الانسان في مجتمع لا يحترم الانسان حتى لو كان بطلا يجلب الفخر لدولته. الركض هو محاولة للخروج من مساحة محددة بالزمان والمكان. لم اجد سيرة ذاتية حسب المفاهيم التي نعرفها عن السير الذاتية. بل وجدت حياة كاملة تحيط بانسان طيب مبتسم دائما،في واقع بالغ العنف والقيود والقمع، لعل ركضه هو التعبير عن التفاؤل بالوصول الى الهدف الأسمى لحياة الانسان..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الركض ( لنركض) – رواية للكاتب الفرنسي جان أشنوز ( 175 صفحة)
النسخة العبرية ترجمة: شيرا حيفر
اصدار سيمطأوت (شتاء 2012  )



شـــبــيــحـة الـعـقــل
نبيـل عـودة

هذا النهار سيء من أوله، أستاذ الفلسفة دخل متجهماً على غير عادته، وضع دوسيته بضربه قوية على المنضدة، وهو ينفخ أنفاسه من بين أسنانه ويبدو أن جسده دخل حقاً، لكن الطلاب لم يشعروا بوجوده الذهني الساطع الذي اعتادوه منه، منذ بدأوا معه الفصل الدراسي الأول.

ليس صعباً الإحساس بنفسية هذا المحاضر، فهو يكاد يكون لوحة تُقرأ نصوصها بسهولة، وفي صميم اللوحة عقله الذي يجرهم دوماً إلى عوالم جديدة، تبدو للوهلة الأولى غير قابلة للفهم، وعصية عن الاستيعاب.. ولكنها شديدة الإثارة بالوقت نفسه.ربما بسبب ما تثيره من تساؤلات وتفكير.

طال صمت المحاضر، قبل أن يتمالك نفسه ويقول بصوت هادئ: "تعالوا نواصل". توقع الطلاب أن يفصح قليلاً عما يعتمل في نفسه، كما عودهم دوما، لدرجة باتوا يشعرون أنه زميلهم في الدراسة وليس أستاذهم فقط. اليوم فهموا جملته التي كثيرا ما رددها: "العلاقة بيننا يجب أن تكون علاقة بين مفكرين، وليس بين طلاب ومحاضر"، وكان يضيف وهو يتأمل انعكاس كلماته على وجوههم:" رغم أن الكلمة الفصل هي كلمتي، مؤقتا وحتى بلوغكم الفكري الكامل، مستقبلا سأكون سعيدا حين تواجهوني رأيا برأي ، هذا سيشعرني بسعادة مطلقة".
وعاد يكرر دون أن يبدو انه يقصد ما يقول: "نواصل"... ثم صمت.
ضم قبضته بقوة، كأنه يجمع نفسه، وقال وضحكة كبيرة تكسر التوتر الذي خلفه من
لحظة دخوله:

- أسمعوا هذه الحكاية.. نشرت مقالاً... قبل نشره قرأناه سوية وناقشتم طروحاتي في المقال وعدلت بعض أفكاره بناء على نقاشكم. اليوم فاجأني أستاذ اللغة العربية... لا تذكروا أسماء من فضلكم، المضحك ان كل ما لفت انتباهه أني أخطأت في تجليس جلالة الهمزة في مكانها الصحيح، وأنزل على رأسي أطناناً من الإنتقادات التي لم أفهم منها إلا أنه ضليع في تجليس جلالة الهمزة بمكانها الصحيح. قلت له:" يا هذا، لغتي في كتابة النصوص أفضل من لغتك، لغتي واضحة، تُقرأ بحماس ولغتك لا تقرأ لصعوبة ألفاظها ووعورتها وبعدها عن المناخ الثقافي، فهل تظن أن جلوس الهمزة على كرسي بدل أن تظل فالتة ، سيغير تاريخ الفلسفة ، أو ينسف كرامة اللغة العربية وكرامة المواطن العربي؟!".
وقلت له:" حقاً أنت ضليع في نحو عمره مئات السنين، وصار يحتاج إلى انتفاضة ثورية، الى ربيع لغوي يندمج بالربيع السياسي العربي.. انتفاضة تجعل لغتنا وعقولنا ومجتمعاتنا وانظمتنا العربية أقرب للحياة ولواقع التطور. وأنا حقاً لست لغوياً ولا أريد أن أكون ضليعا بنحو لغتي أكثر مما أعرف، هذا لا يلزمني للتفكير ومعرفة ما يلزم نهضتنا، ما هو ضروري لتحرير عقولنا من رواسب التخلف وكيف ننجز تنويرنا الاجتماعي والثقافي.قلت له: "أعترف انك أفضل مني في التعامل مع الهمزات، وأنا أفضل في التعامل مع الأفكار ومع الواقع، انت أفضل مني في عبادة الماضي المتحجر وانا افضل منك في فهم ضرورات التنوير وتحرير العقل من الخبل، فلماذا لا نقر بيننا اتفاقا بأن لا نشهر ببعضنا ، أنت لا تشهر بي  بسبب الهمزة، وأنا لا أشهر بك بسبب قصورك الفكري؟!.."
فغضب وكأنه زعيم دولة عربية وليس مجرد خبير في تجليس الهمزة. واعتبر كلامي تجريحا ومشاركة في المؤامرة الإستعمارية والصهيونية على العرب.
قلت له:
- أنت مناسب لعضوية مجلس الشعب في دمشق.
 اتهمني أني بذلك أشوه عقول الطلاب بلغة غير سليمة، وأزرع بذور الفتنة والطائفية، وأضعف مناعتهم القومية، واجعلهم فريسة للمؤمرات... ولا بد من عقابي بتهمة تشجيع التراخي القومي. قلت له  انه الآن أصبح انسب للتوزير في دمشق. وقلت أن طلابي عقولهم تتطور مع الهمزة أو بدونها، وعقول طلابك تتلبك حول قضايا لن تفيدهم في حياتهم أو حتى في عملهم بالتعليم. ففقد أعصابه تماما وأسمعني كلمات لا تليق بزملاء في نفس المعهد، بالطبع لم أبق  مديوناً، قلت له:
    -  يا أستاذ الضاد، وعميل سيبويه، وعدو الاستعمار وعميل نظام القهر الاجتماعي واللغوي، أنت تقول لي أنه مسموح لي أن أخطئ بكرامتي، بوطنيتي، بعقلي، بثقافتي، بضميري، وأن أخدم حتى عدوي ومضطهدي، وان اكون شبيحا ضد ابناء شعبي، هذا لا تحتج عليه. أما أن أخطئ بتقعيد جلالة الهمزة أو بالنحو ، فتقيم علي الدنيا ولا تقعدها ؟!
صمت. أخذ نفسا طويلا. تأملنا لبرهة قصيرة، ثم أضاف:
-       هذه حالة يجب أن تنتبهوا لها وان تمنعوا تحويلكم إلى روبوتات لا تفكر؟ جهاز حافظ بلا وعي؟ نحن نعيش في عصر العقل، في عصر التطور، في عصر الإقلاع نحو الفضاء، وبعض الناس غارقون في الهمزة أو النصب والرفع والشبح. إياكم أن تستبدلوا فكركم في جدال لغوي عقيم.  للغة أهمية عظيمة في تيسير الفهم ونقل المعرفة، لذا عليكم إثراء عالمكم اللغوي، وجعل جملكم مفهومة وسهلة ، وليس خطابا رئاسيا لا شيء فيه قابل للتحقيق .
وبعد ان تجولت عيناه على وجوه الطلاب أضاف:

     -أعزائي أريد أن تعلموا شيئاً لا يقل أهمية عن نظريات الفلسفة، وهو جعل اللغة أداة ميسرة التعبير، وطز في النصب والرفع وجلالة الهمزة وحرمة الأنظمة التي تظن نفسها دائمة أبد الدهر مثل نحو سيبوية.
 وأنفجر الصف ضاحكاُ. وفجأة تغير شكله وسطع وجوده وقال:
-       الآن نعود إلى العقل!!
-       العقل.. العقل .. عاش العقل .
صدر صوت قوي، ولم يكن صعبا معرفة صاحبه.
-       هل لديك إضافة يا زاهر؟
-       حول العقل وقلة العقل لي ما أضيف.. نادرة تشبه قصتك مع الهمزة وشبيحها الواقف بالمرصاد للمؤمرات الاستعمارية.
-       أحذرك.. إذا لم تكن حكايتك حسب توقعاتنا سأخصم من معدلك 10 علامات كاملة؟
-       أنا أقبل التحدي.. على شرط ان تضيف لي 10 علامات اذا كانت قصتي مناسبة ؟
-       كلنا آذان ..
-       التقى نازي ويهودي في بار، والقصد الاشارة الى نقيضين. كان اليهودي جالسا بعيدا عن زبائن البار، في زاوية منعزلة، يحتسي الويسكي ويقرأ كتابا ولا يلتفت لما يجري بين الزبائن في البار،.عبثا حاول النازي أن يجر اليهودي إلى حوار ، وان يخرجه من تركيزه بالقراءة واحتساء الويسكي بمتعة ظاهرة.  ولكن اليهودي رسم ابتسامة على شفتيه وحافظ على صمته وهدوء اعصابه رغم مواصلة النازي استفزازه، وكان النازي يزداد غضبا لأنه لم ينجح بجعل اليهودي يسقط ابتسامته ويترك كتابه، أو يتفوه بكلمة ضيق ليكيل له الصاع صاعين.
 وفكر النازي كيف يستفز اليهودي؟
 ووجدها!!
قال النازي للبارمان بصوت حاد يسمعه جميع زبائن البار وخاصة اليهودي:
-       وزع على جميع الموجودين كؤوس ويسكي على حسابي ولا تقدم كأسا لذاك الشخص.
 وأشار إلى اليهودي.ولكن اليهودي ظل يبتسم وغارقا في كتابه وكأسه الذي يملأه البارمان كلما فرغ وحتى بدون ان يطلب اليهودي ذلك.
بعد أن شكره جميع الزبائن على كرمه وعلى نخوته وتضييفه لهم، التفت النازي للبارمان مرة أخرى وقال بنفس الصوت الصاخب، وزع من جديد على حسابي كؤوس ويسكي للجميع ما عدا لذلك اليهودي الذي يبتسم بدون سبب.
وأشار إلى اليهودي، ولكن اليهودي ظل يبتسم.. بل تزداد ابتسامته وضوحا وامتدادا. هذا الأمر لم يعجب النازي. اقترب من البارمان وسأله:
-       قل لي من ذاك اليهودي الذي يواصل الابتسام رغم إني أهنته ولم ادعوه لشرب الويسكي على حسابي؟
-       أوه عزيزي انه صاحب هذا البار!!

nabiloudeh@gmail.com