الخميس، 16 أبريل 2020


يوميات نصراوي: كفر برعم المُهجّرة: لوحة فلسطينية صغيرة!!
كيف صار قبر "ابو خلو" مقاما ل "الرابي الصديّق زولترا"؟!
نبيل عودة

اسرائيل تشترط ان يعترف بها الفلسطينيون "دولة يهودية"، الفكرة ليست جديدة الفرق انها انتقلت الى ارغام الضحية لإقرار بما ينفذ على ارض الواقع. هناك اشكال التهويد ألبدائية تحويل كل قبر او ضريح إسلامي في بلاد فلسطين الواسعة الى قبر له تاريخ يهودي. يبدو ان سياسة المقابر هي أافضل وسيلة لإثبات يهودية الدولة منذ ايام نوح. بالتأكيد وجد نوح يهوديا ويهودية أنقياء العرق ليواصلوا النسل ولم يعتمد على قدرة الله بإنقاذ شعبه من الطوفان. السؤال ألمحرج ماذا لو لم يبن نوح سفينته العملاقة وينقذ الأجناس التي عاشت على الأرض هل كانت الأرض ستظل قفرا بدون يهود وبدون فلسطينيين وبالتالي بدون ظاهرة "دفع الثمن" (بالعبرية: "תג מחיר")؟ وبماذا سينشغل زعماء العالم والأمم المتحدة بدون نتنياهو وليبرمان وسوائب المستوطنين؟! لماذا أنقذ نوح الجنس الفلسطيني بالتحديد والعربي عموما؟! هل كان ذلك من أجل ان يُذكر الله "شعبه ألمختار بقدرته دائما على عقابهم بالعرب والفلسطينيين؟!
بعد عام 48، عام الحرية والاستقلال في ارض بلا سكان لسكان بلا أرض الذي يسميه الفلسطينيون زورا واغتصاب بعام النكبة، تحولت عشرات ألقبور او ما يعرف بالمقامات الدينية (الاسلامية) الى مقامات وقبور اولياء صالحين من حاخامات الشعب المختار.
لن أروي تفاصيل سرقة القبور (المقامات) وتزوير تاريخها، وتحول الاولياء الشيوخ من محمد وحسين وعلي الى شمعون ويحزقيل وبن يعقوب.
كتب مؤرخون وباحثون يهودا وعربا الكثير من القصص المضحكة والمحزنة في نفس الوقت حول "تجارة القبور" التي وجدت لها سوقا دينية في اسرائيل. طبعا ليس بدون هدف سياسي وترويج روايات اسطورية غيبية ترعاها دولة اسرائيل العلمانية.
مقام الولي حسن او مقام الشيخ برهان او غيرهم، تحول الى مقام الرابي شمعون الصديق، او الرابي يحزقيل صاحب العجيبة، او الرابي بن يعقوب الشافي من الأمراض او غير ذلك من الأسماء والصفات الغريبة والعجيبة. فكر "قروسطي" مضحك ولكن وراءه اجهزة واسعة النفوذ في السلطة والحركة الصهيونية (عقل اوروبي تحول الى عقل حجري) باندماج حتى العلمانيين اليهود بجزء كبير من هذا التزوير التاريخي والديني، ان لم يكن بكلامهم فبصمتهم ألمريب!!
بالطبع بعد مصادرة الأرض، ومصادرة التاريخ، ومصادرة الأسماء العربية الفلسطينية او الكنعانية للمواقع والجبال والسهول والوديان والينابيع والبلدات وتهويدها وتغيير اسمائها، تصبح سرقة القبور وتهويدها دينيا من المسائل السهلة والبسيطة، أليسوا هم حكام البلاد بعد ان هزموا العرب مرة إثر اخرى حتى صارت بعض الدول العربية، بما فيها اكبرها واهمها، صديقة مستسلمة من فوق ومن تحت؟!
على المستوى الشخصي بإمكانهم ان يصادروا كل المقابر بما في ذلك القبور المسيحية وليس قبور الأولياء المسلمين فقط. لهم مطلق الحرية أن ينسبوها لمن يشاءون من الأسماء وان يطلقوا عليها الصفات الربانية والعجائبية ويبنون الخرافات كما يحلو لهم ليقضوا عمرهم في البكاء عليها والتمسح بحجارتها، والدعاء من الأموات ان تحل بركتهم على الأحياء لعلها أفضل من مليارات ما يخصص لهم من ميزانيات يحرم منها ليس العرب فقط، بل والكثير من اليهود انفسهم.
ما حدث في قرية  كفر برعم المهجرة هو استمرار للفكر "القروسطي" الايماني الغيبي... وكفر برعم لمن لا يعلم قرية مسيحية مارونية تجاور جبل الجرمق، ضمت كفر برعم عائلة واحدة تنتمي للطائفة الكاثوليكية (عائلة المطران شقور) والموارنة على العموم ينتمون للكاثوليك.
اليوم يعتصم اهل برعم في قريتهم مطالبين بتنفيذ قرار المحكمة العليا منذ سنوات الخمسين القاضي بإرجاعهم الى بلدتهم كما جرى الاتفاق مع الجيش الاسرائيلي الذي اخرجهم من برعم بالاتفاق معهم لأسبوع او اسبوعين عام 1948 ثم هدم القرية بالقصف الجوي وأعلنت الحكومة اراضي القرية منطقة عسكرية مغلقة لمنع عودة اهلها. توجه البراعمة لمحكمة العدل العليا الاسرائيلية التي اقرت حقهم بالعودة ولكن قوانين الأراضي الغريبة العجيبة في دولة اسرائيل وكثرتها وكأنها امبراطورية لا تغيب الشمس عن اراضيها، وقفت سدا مانعا ضد قرار محكمتها العليا. وهو درس ديمقراطي آمل ان يدرس في مدنيات اسرائيل وان تنشر تفاصيله على الملأ خاصة في الهيئات الدولية.
يعتصم اليوم العشرات من أهل برعم، من الجيل الذي هُجر حتى الجيل الذي ورث التهجير، في بلدتهم، معتصمون مصرون على البقاء في ارضهم وإعادة بناء كفر برعم بما تبقى لهم من ارض لم تصادر للكيبوتسات حولهم او حولت الى مراعي  لبقر الكيبوتسات.
وزير عدل سابق تساءل في وقته عن مصير ابقار الكيبوتسات التي ترعى في اراضي القرية "كيف ستحل مشكلة ايجاد مراع لهم اذا اعيد قسم من الأرض لأصحابها البراعمة؟!" رد عليه البرعمي ابراهيم عيسى (ابو الرايق):" هل البقر اهم من الإنسان؟ ارجعونا لقريتنا ونتعهد ان نشترى لهم العلف على حسابنا". فزعل الوزير الذي كان يعتبر من اليسار الاسرائيلي ومن تيار السلام مع الشعب الفلسطيني، ولكن ليس للسلام مع الفلسطينيين من اهل البلاد. لأن مراعي بقر الكيبوتسات أكثر أهمية من حقوق المواطن ألفلسطيني في "اسرائيل الديمقراطية" ، هذا كان قبل سنوات طويلة من قانون القومية العنصري الذي اسقط المواطنين العرب من حسابه!!
يقيم البراعمة المعتصمين في كفر برعم المهجرة في مبنى لم يهدم قرب الكنيسة التي لم تهدم هي أيضا، يرفضون مغادرة قريتهم رغم كل محاولات "الكيرن كاييمت" ان تفرض عليهم اخلاء اراضي بلدتهم. (الكيرن كاييمت -هي تنظيم صهيوني اسس عام 1901 كوسيلة لجمع الأموال من اليهود من اجل شراء اراضي العرب وتجهيزها لسكن اليهود).
"الكيرن كاييمت" ذهبت قبل سنوات قليلة الى المحكمة في صفد بطلب اخلاء برعم من المعتصمين، ولكن القاضي انصف البراعمة، رد دعوى "الكيرن كاييمت" بقوله كما نقل لي، ان المشكلة مع الدولة وليس مع "الكيرن كاييمت"، زان هناك قرار اصدرته المحكمة العليا لصالح اهل برعم فما دخل "الكيرن كاييمت" بالموضوع؟
رغم ذلك فرض كفالة 50 ألف شاقل على ابناء برعم المعتصمين كضمان لعدم قيامهم بإضافة أي بناء جديد أو اصلاح المباني شبه المهدمة وغرم "الكيرن كاييمت" بمصاريف المحكمة وأجرة المحامي الذي تبرع بالمبلغ لأهل برعم – اهله دعما لاعتصامهم!!
الآن الى سرقة القبور.
يبدو ان سرقة مقامات المسلمين انتهت، لم يعد ما يسرق... الآن الدور على مقابر المسيحيين.
روى امامي برعمي شاب انهم اكتشفوا بالصدفة وجود شبان متدينين يهود يقيمون مبنى على احد قبور اهل برعم، ويعرف باسم "قبر ابو خلو" ("ابو خلو" أي "ابو خليل" بلهجة البراعة وهي لهجة لبنانية، اذ كانت تعتبر برعم جزءا من لبنان). المضحك ان الشبان اليهود وضعوا لوحة فوق القبر تحمل اسم "الرابي الصديق زولترا".
في حديث مع ابراهيم عيسى (ابو الرايق) وهو بالمناسبة حاد الذاكرة عاش مأساة برعم منذ كان صبيا يافعا، يشارك بكل نشاطات البراعمة، اعاد بناء المقبرة وتوسيعها وإصلاح قبورها، الى جانب اصلاح الكنيسة، ساهم بإدخال الكهرباء للكنيسة وتنشيطها، اليوم تقام فيها الشعائر الدينية الأسبوعية بالإضافة لشعائر الأعياد، بل وبات البراعمة لا يزوجون ابنائهم ولا يعمدونهم إلا بكنيسة برعم، كذلك جند الشباب لتنظيف حارات برعم من بقايا الهدم الذي نفذته طائرات اسرائيل بعد قيام الدولة، ووضع لوحات بأسماء الحارات وعلق على بقايا المنازل أسماء أصحابها، عمليا هو تاريخ متحرك لقرية برعم رغم ال 70 سنة من المعاناة والتهجير والنضال ضد المُهجرين، يعتبر للكثيرين من الزوار مرجع برعمي للتاريخ والنضال الطويل المتواصل للعودة الى برعم. سألته عن "ابو خلو" قال لي ان القبر لشخص برعمي اسمه ابراهيم انطون خليل (ابو خلو) وانه مات منذ أكثر من 80 سنة، أي قبل قيام دولة إسرائيل، وحسب ذاكرة ابراهيم عيسى قد يكون القبر لوالد السيد ابراهيم ألذي مات قبل ابنه بسنوات كثيرة أي أكثر منذ مائة عام!!
شبان برعم سألوا الشباب اليهود الذين استولوا على قبر ابو خلو: ماذا تفعلون بقبر ابو خلو ولماذا هدمتم شاهد القبر حيث نقش الصليب؟ الا تعلمون انه قبر لمواطن من برعم مات قبل 100 سنة واسمه ابو خلو، وهو الاسم الذي اشتهر به القبر والمكان، لأنه لم يدفن في المقبرة، بل دفن حسب وصيته في بيارة تين كان يملكها ؟!
ردوا بدون تلعثم انه بئر وليس قبرا، وانه دفن حسب "سجلاتهم" (سماوية؟؟؟) في هذا البئر الراب الصديّق زولترا!!
قال ابراهيم عيسى (ابو الرايق) انا نشلت من هذا البئر الماء في صغري، كنا ننشل الماء لنسقي ألطرش فكيف صار قبرا او مقاما دينيا للرابي زولترا؟ البئر ليس قبرا، القبر معالمه واضحة قرب البئر، اصلا لم يكن أي يهودي يسكن في هذه المنطقة، وبئر الماء كما يقول ابو الرايق هو لدار عيسى العبود، قربه توجد حفرة في صخرة بعمق متر ونصف المتر، ويقول عجوز آخر ان المقبرة كانت قرب البئر ولكنها نقلت قبل 80 سنة الى خارج القرية حيث هي اليوم، تبعد حوالي 3 كيلومتر عن منازل كفر برعم المهدمة. آخرين يقولون انه لا يوجد قبر لأبو خلو انما مقبرة كانت ضمن حدود البلدة قبل ان تُنقل، لكن أكثرية كبار السن يؤكدون انه قبر ابراهيم انطوان خليل (ابو خلو-ابو خليل) وظل بارزا لأنه دفن في بيارة تين كان يملكها، لذلك اكتسب شهرة خاصة.
يقول ابو الرايق ان هناك مبنى روماني قديم، حاولوا بعد التهجير ان يدعوا انه كنيس يهودي، ليزوروا تاريخ برعم ويجعلوها يهودية، لكن الحاخامات اليهود من مدينة صفد القريبة رفضوا موقف السلطة ليس لحسن نيتهم بل بسبب وجود اكليل الغار الروماني الذي كان يتوج المدخل (وهو شعار روماني معروف) وقالوا بوضوح انه مبنى تاريخي روماني وليس كنيسا يهوديا ... خاصة وان ما قيل انه الهيكل داخل الكنيس لم يكن بالاتجاه الصحيح نحو القدس. وهو أمر ديني يهودي.
يقول ابو الرايق ان المحتلين اقتلعوا من باب مدخل المبنى الروماني الحجر الذي نقش عليه اكليل الغار الروماني لإخفاء حقيقة المبنى، وكلما حضر سياح اجانب لا يعرفون شرقهم من غربهم يدعي دليل السياح امامهم ان المبنى هو هيكل يهودي... ربما هي تغطية لمنظر القرية العربية المهدمة التي "احتلت" ارضا يهودية... لذلك عوقب اهلها بالتهجير وهدمت لمنع عودتهم لأرض وعد بها الله شعبه المختار!!
بقيت كلمات قليلة: من سيقنع الشباب اليهود ان ابو خلو سيظل برعميا اصيلا حتى لو سموه الرابي الصديق زولترا؟!
nabiloudeh@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق